الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
127
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [ التوبة : 96 ] . فالقول هنا مراد به الكلام مع الاعتقاد ، فهو كناية عن اللازم مع جواز إرادة الملزوم ، فإذا أضمروا ذلك في أنفسهم فذلك من الحالة الممدوحة ولكن لمّا وقع هذا الكلام في مقابلة حكاية اللّمز في الصدقات ، واللّمز يكون بالكلام دلالة على الكراهية ، جعل ما يدلّ على الرضا من الكلام كناية عن الرضى . وجملة سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ بيان لجملة حَسْبُنَا اللَّهُ لأنّ كفاية المهمّ تقتضي تعهّد المكفي بالعوائد ودفع الحاجة ، والإيتاء فيه بمعنى إعطاء الذوات . والفضل زيادة الخير والمنافع إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ * [ غافر : 61 ] والفضل هنا المعطى : من إطلاق المصدر وإرادة المفعول ، بقرينة من التبعيضية ، ولو جعلت مِنْ ابتدائية لصحّت إرادة معنى المصدر . وجملة إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ تعليل . أي لأنّنا راغبون فضله . وتقديم المجرور لإفادة القصر ، أي إلى اللّه راغبون لا إلى غيره ، والكلام على حذف مضاف ، تقديره : إنّا راغبون إلى ما عيّنه اللّه لنا لا نطلب إعطاء ما ليس من حقّنا . والرغبة الطلب بتأدب . [ 60 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 60 ] إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 60 ) هذه الآية اعتراض بين جملة : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [ التوبة : 58 ] وجملة وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النبي [ التوبة : 61 ] الآية . وهو استطراد نشأ عن ذكر اللمز في الصدقات أدمج فيه تبيين مصارف الصدقات . والمقصود من أداة الحصر : أن ليس شيء من الصدقات بمستحقّ للذين لمزوا في الصدقات ، وحصر الصدقات في كونها مستحقّة للأصناف المذكورة في هذه الآية ، فهو قصر إضافي أي الصدقات لهؤلاء لا لكم . وأمّا انحصارها في الأصناف الثمانية دون صنف آخر فيستفاد من الاقتصار عليها في مقام البيان إذ لا تكون صيغة القصر مستعملة للحقيقي والإضافي معا إلّا على طريقة